فخر الدين الرازي

15

المطالب العالية من العلم الإلهي

فهذا بحث شريف لا بد من الوقوف عليه في هذا الباب . البحث الثاني : لقائل من المعتزلة أن يقول : الجبر لا يتأتى إلا مع القول بكون الباري موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار . لأن حاصل كلام الجبرية هو : أن عند حصول القدرة والداعية الخالصة يجب الفعل ، وعند فقدان هذا المجموع يمتنع الفعل . وهذا هو القول بالجبر . إلا أن هذا الكلام بعينه وارد في فاعلية اللّه . لأن كل ما لا بد منه في فاعلية اللّه تعالى . إن كان حاصلا في الأزل ، وجب حصول العالم معه ، وإن لم يكن أزليا ، افتقر حدوثه إلى سبب آخر ، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى الصفات الأزلية . وحينئذ يعود هذا السؤال . قالوا : فثبت : أن دليلكم في إثبات الجبر ، إن تم وكمل فهو ، يوجب القول بالجبر شاهدا أو غائبا . وذلك يوجب القول بقدم العالم ، وبكونه تعالى موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار . كما هو قول الفلاسفة . وأما إن قلنا : إن صدور الفعل عن القادر لا يتوقف على الداعية ، وإن توقف عليها لكن صدور الفعل عند حصول الداعية غير واجب . فهذا قول المعتزلة . وبطل القول بالجبر في الشاهد [ والغائب « 1 » ] فثبت : أن الحق . إما القول بالجبر شاهدا وغائبا ، كما هو قول الفلاسفة . أو القول بنفيه شاهدا وغائبا ، كما هو قول المعتزلة . فأما القول بإثباته في الشاهد ، ونفيه في الغائب ، كما هو قولكم فكلام متناقض . فهذا هو الكلام الأقوى من جانبهم . واعلم : أن بتقدير أن يتوجه على القول بالجبر هذا الإلزام ، إلا أن القول بالقدر يتوجه عليه ، ما هو أقبح [ منه « 2 » ] وأفحش . وذلك لأنا بينا : أن القول بالقدر لا يتم إلا إذا قيل : إن رجحان الفاعلية على التاركية ، يحصل لا لمرجح . وعند هذا القول . إما أن يكون [ الإمكان محوجا إلى مؤثر ، أو لا

--> ( 1 ) من ( ل ) . ( 2 ) من ( ط ) .